المقريزي

183

المقفى الكبير

بعث بما يكفي نفقة الوقت ، وهو زائركم غدا بنفسه ، ومعتذر بلفظه إليكم . ووضع بين يدي كلّ واحد منّا صرّة فيها مائة دينار ، فتعجّبنا من ذلك جدّا ، وقلنا للشابّ : ما القصّة في هذا ؟ فقال : أنا أحد خدم الأمير أحمد بن طولون المختصّين به والمتّصلين بأقربائه وخواصّ أصحابه ، دخلت عليه بكرة يومي هذا مسلّما في جملة أصحاب لي . فقال لي وللقوم : « أنا أحبّ أن أخلو يومي هذا ، فانصرفوا أنتم إلى منازلكم » . فانصرفت أنا والقوم ، فلمّا عدت إلى منزلي لم يسبق قعودي حتى أتاني رسول الأمير مسرعا مستعجلا يطلبني حثيثا . فأجبته مسرعا فوجدته منفردا في بيت واضعا يمينه على خاصرته لوجع ممضّ اعتراه في داخل جسده . فقال لي : أتعرف الحسن بن سفيان وأصحابه ؟ فقلت : لا . قال : اقصد المحلّة الفلانيّة ، والمسجد الفلانيّ ، واحمل هذه الصّرر وسلّمها في الحين إليه وإلى أصحابه ، فإنّهم منذ ثلاثة أيّام جياع بحالة صعبة ، ومهّد عذري لديهم ، وعرّفهم أنّي صبيحة الغد زائرهم ومعتذر شفاها إليهم . ( قال الشابّ ) : سألته عن السبب الذي دعاه إلى هذا ، فقال : دخلت هذا البيت منفردا على أن أستريح ساعة . فلمّا هدأت عيني رأيت فارسا في الهواء متمكّنا تمكّن من يمشي على بساط الأرض ، وبيده رمح ، فقضيت التعجّب من ذلك وكنت انظر إليه متعجّبا حتى نزل إلى باب هذا البيت ، ووضع سافلة رمحه على خاصرتي وقال : قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه ، قم وأدركهم ! قم وأدركهم ! قم وأدركهم ! فإنّهم منذ ثلاثة أيّام جياع في المسجد الفلانيّ . فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا رضوان صاحب الجنة . ومنذ أصاب سافلة رمحه خاصرتي أصابني وجع شديد ، لا حراك لي معه . فعجّل إيصال هذا المال ليزول الوجع عنّي . فقال الحسن : فتعجّبنا من ذلك ، وشكرنا اللّه سبحانه وتعالى ، وأصلحنا أمورنا ، ولم تطب أنفسنا بالمقام حتى لا يزورنا الأمير ولا نطلع الناس على أسرارنا ، فيكون ذلك سبب ارتفاع اسم وانبساط جاه ، ويتّصل ذلك بنوع من الرّياء ، فخرجنا تلك الليلة من مصر ، وأصبح كلّ واحد منّا واحد عصره وقريع دهره في العلم والفضل . فلمّا أصبح الأمير ابن طولون أتى المسجد لزيارتنا وطلبنا ، فأخبر بخروجنا . [ ف ] أمر بابتياع تلك المحلّة بأسرها ، ووقفها على ذلك [ 352 أ ] المسجد ، وعلى من ينزل به من الغرباء وأهل الفضل وطلبة العلم ، نفقة لهم حتّى لا تختلّ أمورهم ولا يصيبهم من الخلل ما أصابنا « 1 » . وذلك كلّه بقوّة الدين وصفوة الاعتقاد ، واللّه سبحانه وليّ التوفيق . * * * وقال الحاكم : الحسن بن سفيان محدّث خراسان في عصره ، مقدّم في التثبّت والكثرة والرحلة والفهم والفقه والأدب . تفقّه عند أبي ثور ، وكان يفتي على مذهبه ، وصنّف المسند الكبير ، والجامع ، والمعجم ، وغير ذلك ، وهو راوية خراسان لمصنّفات الأئمّة . توفّي سنة ثلاث وثلاثمائة .

--> ( 1 ) علّق الذهبي في السير 14 / 162 فقال : لم يل طولون مصر ، أمّا أحمد بن طولون فيصغر عن الحكاية ، فاللّه أعلم بصحّتها .